AlBadee.net
السبب الحقيقي وراء دعم بوتين للأسد

السبب الحقيقي وراء دعم بوتين للأسد

بقلم: فيونا هيل

فالدافع الحقيقي الذي يدفع بوتين لدعم نظام الأسد هو خوفه من انهيار الدولة الروسية، الخوف الذي واجهه مباشرةً عندما انفصلت القوقاز في شمال روسيا أي جمهورية الشيشان و التي قمعها من خلال حرب أهلية دامية ومن خلال القضاء على عملية التمرد التي نشبت ما بين العامين 1999و 2009.

29 آذار 2013 18:39 المشاهدات : 796 التعلیقات : 0 0
0

 

البديع- هناك بعض القضايا التي توضح القيود التي وضعتها إدارة أوباما من أجل "إعادة ضبط المعايير" مع روسيا إزاء الأزمة في سوريا. فقد حاولت الولايات المتحدة لأكثر من سنة العمل مع روسيا لإيجاد حل لإنهاء العنف في سوريا لكنها فشلت. سيما وأن روسيا تعارض بشدة أي تدخل دولي للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، و ذلك من خلال التأكيد على أن الصراع يجب أن ينتهي بالمفاوضات وبأن الأسد يجب أن يكون موجوداً في أي مرحلة انتقالية تؤدي إلى تشكيل حكومة جديدة. و بالرغم من تواصل رئيس الوزراء الروسي سيرغي لافروف مؤخراً مع زعماء المعارضة السورية إلا أن تلك المحادثات لم تخرج بأية إشارة إزاء نية الكرملين الجدية في إعادة ضبط معاييره وتغيير مواقفه من سوريا. والغريب في الموضوع هو أن: العائق الرئيسي في وجه تغيير أي من الحسابات الروسية يتمثل في شخص الرئيس فلاديمير بوتين الذي يعارض بشدة و بثبات أي تغيير قسري للنظام في سوريا.

لماذا يقدم بوتين على هكذا دعم ثابت للأسد؟ نظرياً، يبدو أن روسيا تستفيد من تصدير الأسلحة إلى سوريا كما يبدو بأنها تعتمد على عزم النظام السوري القوي في المحافظة على الدخول الروسي إلى المنشأة البحرية في ميناء طرطوس على البحر المتوسط. غير أنه تبقى هذه المصالح سطحية ورمزية. فالدافع الحقيقي الذي يدفع بوتين لدعم نظام الأسد هو خوفه من انهيار الدولة الروسية، الخوف الذي واجهه مباشرةً عندما انفصلت القوقاز في شمال روسيا أي جمهورية الشيشان و التي قمعها من خلال حرب أهلية دامية ومن خلال القضاء على عملية التمرد التي نشبت ما بين العامين 1999و 2009. (فالجمهوريات في روسيا هي عبارة عن وحدات فيدرالية تتمتع بحكم شبه ذاتي وتشمل الأقاليم التاريخية للجماعات الروسية اللاعرقية.) وفي هذا السياق، صرح بوتين في سلسلة من المقابلات الموثقة في سيرته الذاتية و التي أجراها في العام 2000 بأن: "إن جوهر ما يحدث في القوقاز الشمالي والشيشان... هو استمرار انهيار الاتحاد السوفيتي... فإن لم نقم بعمل شيء بسرعة لإيقاف هذا الوضع، فسوف تتوقف روسيا الدولة في شكلها الحالي عن الوجود...فأنا كنت مقتنع بأننا إذا لم نوقف المتطرفين بسرعة في الشيشان فسوف نواجه في القريب العاجل يوغسلافيا ثانية عبر كامل إقليم الاتحاد السوفيتي- أي أننا سنواجه عملية يوغسلفة لروسيا." ونحن نعلم جيداً شعور بوتين إزاء انهيار الاتحاد السوفيتي؛ فقد عبر عنه في العام 2005 بأنه "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين" وهو التعليق الذي كان الهدف منه التحسر على انهيار الاتحاد السوفيتي أكثر من التحسر على اندثار الشيوعية.

فبالنسبة لبوتين، فسوريا تذكره كثيراً بالشيشان. خاصةً وأنه في كلا الصراعين تقوم الدولة بمواجهة قوى معارضة مختلفة لا تملك قيادة والتي تحولت مع الوقت إلى جماعات إسلامية سنية متطرفة. إذ من وجهة نظر بوتين—التي أكد عليها مراراً وتكراراً في مقابلاته مع نظرائه الأميريكيين والأوروبيين— فإن سوريا تشكل ساحة المعركة الأخيرة في الصراع العالمي الممتد لعقود بين الدول العلمانية والإسلام السني المتطرف والتي بدأت أولاً في أفغانستان مع طالبان ثم تحولت إلى الشيشان واستطاعت تمزيق عدد من الدول العربية. فمنذ استلامه لمنصبه (بداية كرئيس للوزراء في العام 1999 ومن ثم رئيس للجمهورية في العام 2000) وهو يواجه الحرب الشيشانية وقد أعرب عن خوفه من التطرف الإسلامي السني وعن الخطر الذي فرضته جماعات "الجهاديين" على روسيا من خلال مجموعات كبيرة من السكان الأصليين من المسلمين السنة المتمركزين في شمال القوقاز ومنطقة الفولغا وفي مدن رئيسية كموسكو. فالرغبة في احتواء التطرف كانت السبب الرئيسي وراء المساعدة التي قدمها بوتين للولايات المتحدة في معركتها مع حركة طالبان في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر. و يكمن هذا السبب أيضاً وراء العلاقات الوطيدة مع الشيعة في ايران على اعتبارها القوة المضادة للقوى السنية المتطرفة.

أما بالنسبة للوضع في الشيشان، فقد أوضح بوتين أن استعادة الجمهورية من "القوى المعارضة المتطرفة" أمر يستحق كل تضحية. و وعد في خطابه في سبتمبر 1999 بأنه سوف يلاحق المتمردين الشيشان حتى وإن كانوا في "الحمام". وبالفعل قام بذلك، وقد قتل بعض زعماء المعارضة بهجمات صاروخية في أكثر لحظاتهم ضعفاً، وتحولت عاصمة الشيشان فرونزي إلى ركام وقتل عشرات الآلاف من المواطنين إلى جانب المقاتلين الجهاديين الذين قدموا إلى الشيشان من العالم العربي ومن ضمنهم سوريا بتشجيع من الجماعات المتطرفة. فقد تحملت موسكو ومدن روسية أخرى هجمات إرهابية مدمرة وتحولت معاملة بوتين مع الشيشان بذلك إلى عبرة لما يمكن أن يحدث للمتمردين والإرهابيين وبالفعل تمكنت روسيا بذلك من تحذير كافة جماعات البشر إذا ما حاولوا تهديد الدولة الروسية، فسوف يكون مصيرهم إما أن يمسحوا من الوجود أو أن يقدموا إلى القضاء الأمر الذي يتمناه بوتين اليوم لمصير المتمردين في سوريا.

وقد استطاع بوتين بعد عقدين من الصراع الانفصالي احتواء ثورة الشيشان. وأصبح رمضان قديروف الذي كان متمرداً سابقاً زعيماً للجمهورية بعد أن حول ولائه إلى موسكو. إذ منح بوتين قديروف وأنصاره العفو وأعطاهم تفويضاً لملاحقة المتشددين والمعارضين السياسيين الآخرين. وأعاد قديروف بناء غرونزي (من خلال الأموال الكثيرة التي حصل عليها من موسكو) وقام بإنشاء صيغته الخاصة عن الإسلاميين وجمهورية الشيشان التي أدانت منظمات حقوق الإنسان عمليات القمع الوحشي للمعارضة فيها.

وعلى مدى العامين الماضيين، تمنى بوتين بان يكون الأسد قادراً على القيام بما قام به في الشيشان وأن يتصدى للمعارضة. وقد توقع بوتين بأنه لن يكون لدى النظام مشكلة في الحفاظ على الدولة بناءً على السجل الحافل لحافظ الأسد والد بشار في قمع التمرد. لكن أن الأسد قد فشل الآن وبوتين ليس بالشخص الذي يدعم الحصان الخاسر، سيما وأنه يدرك وبقية القيادة الروسية جيداً بأن دعمهم القوي للأسد قد أضر بموقفهم في العالم العربي لكن ليس ثمة خطة بديلة أمامهم للخروج من المأزق سوى ذلك. فمازال بوتين غير مستعداً للسماح بالتدخل الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تفكيك الدولة السورية والمخاطرة بخلق وضع أقرب إلى الوضع في أفغانستان خلال فترة التسعينيات عندما قامت الجماعات المتحاربة من المتطرفين بقتال بعضها البعض وقامت بذلك بخلق أرضية خصبة للحركة الجهادية العالمية. فمن وجهة نظر بوتين، تؤكد ليبيا مابعد القذافي التي ينعدم فيها القانون والتي تحولت الآن إلى مصدر للأسلحة والمقاتلين واللاجئين إلى الدول المجاورة على مخاطر التدخل الدولي.

هذا وقبل التخلي عن الأسد، سيحتاج بوتين إلى أجوبة على بعض الأسئلة الملحة: من الذي سيتحمل مسؤولية تداعيات انهيار النظام؟ من الذي سيبقي المتطرفين السنة تحت المراقبة؟ من الذي سيبقي المتطرفين بعيداً عن شمال القوقاز والمناطق الروسية الأخرى التي تحتوي على أعداد كبيرة من المسلمين السنة؟ وأخيراً، من الذي سيضمن سلامة الأسلحة الكيماوية السورية؟ بالطبع، لا يثق بوتين بالولايات المتحدة للعب هذا الدور: فمن وجهة نظره، عندما انسحبت الولايات المتحدة من العراق تركت ورائها رجل شيعي قوي هو نوري المالكي لكي يقف في وجه السنة المتطرفين؛ أما عندما انسحبت من أفغانستان لم تترك خلفها سوى الشكوك. وباختصار، بوتين يشك بمقدرة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على تحقيق الاستقرار في سوريا لذلك سيستمر بالوقوف إلى جانب النظام السوري فقط كوسيلة لتجنب انهيار الدولة بالكامل .

و بالرغم من أن بوتين ينظر إلى سوريا ويرى الشيشان إلا أن الحالتان مختلفتين تماماً. لاسيما وأن الحرب الأهلية تجتاح جميع أنحاء سوريا فضلاً عن أنه لا تتوفر لدى الأسد الظروف التي توفرت لبوتين في التعامل مع الوضع في الشيشان. فهو لا يستطيع القضاء على الرموز الرئيسية والداعمين للمعارضة في الخارج تماماً كما فعل بوتين مع الشيشان كاغتياله الزعيم الشيشاني السابق سليم خان يندرباييف في قطر عام 2004 و ذلك لوضع حد لجمع التبرعات وتجنيد المقاتلين في الخارج. ناهيك عن أن سوريا تعج بالأسلحة التقليدية إلى جانب ترسانة كبيرة من أسلحة الدمار الشامل التي فرضت  خطراً حقيقياً على دول الجوار. دول الجوار كلبنان والأردن وتركيا والعراق واسرائيل والأبعد من ذلك حتى ايران التي انخرطت في خضم الصراع. في المقابل، بالرغم من تدفق الأموال والرجال إلى الشيشان وبالرغم من انتشار اللاجئين والأعمال الإرهابية في بقية أرجاء روسيا (وأحياناً في أذربيجان وجورجيا وتركيا) و لكن لم يكن هنالك انتشار مماثل لذلك في الحرب الشيشانية وليس ثمة قوى خارجية متورطة بشكل كبير في ذلك. فالشيشان كانت ضمن جوار سيء فيما تقع سوريا ضمن جوار رهيب ولا يمكن احتواء آثار الصراع السوري بالطريقة التي احتوي فيها الصراع الشيشاني .

وخلاصة القول، لن تدفع هذه الاختلافات ولا حجم المأساة الإنسانية بوتين إلى تغيير رأيه إزاء الأوضاع في سوريا. لا بل سيستمر الرئيس الروسي بالتمسك برأيه ضد التدخل ويصر على أنه يجب أن تكون المفاوضات مع  الأسد جزءاً من الطريق إلى الأمام حتى يتم العثورعلى أحد الأقوياء لإعادة فرض النظام بعد الفوضى التي ستتبع سقوط الأسد.  ففي حال حصلت معجزة ما ولم تتحول سوريا إلى كارثة إقليمية واسعة النطاق سوف يربت بوتين على كتف نفسه ويقول بأن الفضل يعود له لأنه لم يسمح بالتدخل الأجنبي. أما في حال حصل السيناريو الأكثر ترجيحاً، فسوف يلوم بوتين واشنطن ويحملها المسؤولية في تدمير سوريا وتمكين المتطرفين الإسلاميين السنة من خلال مناصرتها للديمقراطية والثورات العربية.

المصدر: foreign affairs

  • یجب ان لا یتعدي التعلیق 150 کلمة.
  • نعتذر عن نشر التعلیقات التي لاتلتزم بالمعاییر الاخلاقیة و القانونیة.
  • یجب ان لا یتعدي التعلیق 150 کلمة.
  • نعتذر عن نشر التعلیقات التي لاتلتزم بالمعاییر الاخلاقیة و القانونیة.
  • آل سعود
  • شؤون اقتصادية
  • الثورة البحرينية
  • الحرب على سوريا
  • الازمة المصرية
  • علاقات ايران مع الغرب
prev next
يمكن نقل المواضيع مع ذكر المصدر
المقال یعبر عن رأُي الکاتب